المنجي بوسنينة

343

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الشجاعة والفتك والكرم ومكارم الأخلاق . لكنه تصرّف في المعاني التي عليها جريان بعض تلك الأغراض ، وغيّر منها وفق ما يتماشى مع نظرة شخص صعلوك خارج على المجتمع القبلي ونظمه . لم يطرق الشاعر غرض المدح إلّا مرّة واحدة في القصيدة التي مدح بها ابن عمّ له يدعى ابن مالك . يقول من الطويل : [ ديوانه ، ص . 148 ] . وإنّي لمهد من ثنائي فقاصد * به لابن عمّ الصّدق شمس بن مالك لكن الناظر في هذه القصيدة المدحية يلاحظ أنها تعدل عن سنن المدح المتعارفة في الشعر العربي منذ الجاهلية . فلقد أسقط الشاعر عنصر النسيب الذي درج الشعراء على الابتداء به في المدح . يزداد هذا العدول عن سنن المدح وضوحا عندما ننظر في القيم التي أسندها الشاعر إلى ممدوحه . فهو يسند إليه جميع خصال الصعلوك العامل الذي يبيت بالفلوات والمفازات وحيدا ويركب ظهور المهالك غير هيّاب من الموت . وينعته بالتباعد عن الناس لأنه يأنس بالوحشة ويهتدي ليلا بالنجوم الطوالع . يقول : [ ديوانه ، ص . 152 - 156 ] يظلّ بموماة ويمسي بغيرها * جحيشا ويعروري ظهور المهالك يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي * بحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك حتى كأن تأبّط شرّا إنما يصف صعلوكا من أصحابه أو كأنه لا يرى غير صفات الصعلوك جديرة بالثناء والتمجيد فأسندها إلى ابن عمّه الذي لم يكن صعلوكا ولم يتحلّ بخصال الصعلوك ، أو كأن الشاعر يصف نفسه ويعدّد خصاله هو ويسندها إلى ممدوحه . فلقد اشتهر تأبّط شرّا بأنه « كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عنين » ، وهو يسند هذه الخصلة إلى ممدوحه قائلا : [ ديوانه ، ص . 152 ] . ويسبق وفد الرّيح من حيث ينتحي * بمنخرق من شدّه المتدارك وعلى هذه الخصال التي تحلّى بها الصعاليك جريان مجمل قصيدته المدحيّة الوحيدة . حتى أنه حين يصف نوم ممدوحه يحدّث عن خصال صعلوك لا ينام إلّا وقلبه متيقّظ متحفّز . نقرأ : [ ديوانه ، ص . 152 ] . إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل * له كالئ من قلب شيحان فاتك هذا التصرّف في المعاني التي عليها جريان المدح عادة سيطال غرض الفخر ومعانيه أيضا . إذ أسند تأبّط شرّا إلى نفسه القيم المتداولة في الفخر فيحدّث عن بطشه وإقدامه ورباطة جأشه وكرمه . لكنه أورد العديد من المعاني المبتدعة التي لم يسبق إليها . فوسّع من فكرة البطش بالكائنات الوحشية الخارقة والمتخيّلة . إذ افتخر في أكثر من قصيدة ومقطوعة بمنازلته الغول وبطشه بها ، وتعدّى ذلك إلى الفخر بأنه ممن تمكّن من الغيلان وضاجعها . وهو يلجأ في قصيدته الشهيرة التي زعم فيها أنه بطش بالغول إلى اعتماد القصّ والتمثيل وسيلة ليقلب سمع المتلقّي بصرا ويخيّل دقائق المشاهد التي يبتنيها . يقول من